محمد بن جرير الطبري

116

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كالملإ من بني إسرائيل ، إذ قالوا لنبيهم : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون فلما سمعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تتابعوا على ذلك وكان ابن عباس والضحاك بن مزاحم وجماعة غيرهما يقولون : إنما قالوا هذا القول لموسى عليه السلام حين تبين لهم أمر الجبارين وشدة بطشهم . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد ، قال : ثنا عبيد بن سلمان ، قال : سمعت الضحاك يقول : أمر الله جل وعز بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم ، فلما كانوا قريبا من المدينة قال لهم موسى : ادخلوها فأبوا وجبنوا ، وبعثوا اثني عشر نقيبا لينظروا إليهم . فانطلقوا فنظروا ، فجاءوا بحبة فاكهة من فاكهتهم بوقر الرجل ، فقالوا : قدروا قوة قوم وبأسهم هذه فاكهتهم فعند ذلك قالوا لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس نحوه . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ وهذا خبر من الله جل وعز عن قيل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا من قولهم : إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ أنه قال عند ذلك ، وغضب من قيلهم لهم داعيا : يا رب إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي يعني بذلك : لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتباع أمرك ونهيك ، إلا على نفسي وعلى أخي . من قول القائل : ما أملك من الأمر شيئا إلا كذا وكذا ، بمعنى : لا أقدر على شيء غيره . ويعني بقوله : فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعدهم منا ، من قول القائل : فرقت بين هذين الشيئين ، بمعنى : فصلت بينهما ؛ من قول الراجز : يا رب فافرق بينه وبيني * أشد ما فرقت بين اثنين وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يقول : اقض بيني وبينهم . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يقول : اقض بيننا وبينهم . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : غضب موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له القوم : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ، فدعا عليهم فقال : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ وكانت عجلة من موسى عجلها . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سلمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يقول : اقض بيننا وبينهم ، وافتح بيننا وبينهم ، كل هذا من قول الرجل : اقض بيننا ، فقضى الله جل ثناؤه بينه وبينهم أن سماهم فاسقين . وعنى بقوله : الْفاسِقِينَ الخارجين عن الإيمان بالله وبه ، إلى الكفر بالله وبه . وقد دللنا على أن معنى الفسق : الخروج من شيء إلى شيء ، فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ اختلف أهل التأويل في الناصب للأربعين ، فقال بعضهم : الناصب له قوله : مُحَرَّمَةٌ وإنما حرم الله جل وعز على القوم الذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حرب الجبارين ، دخول مدينتهم أربعين سنة ، ثم فتحها عليهم ، وأسكنوها ، وأهلك الجبارين بعد حرب منهم لهم ، بعد أن قضيت الأربعون سنة ، وخرجوا من التيه . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : لما قال لهم القوم ما قالوا ودعا موسى عليهم ، أوحى الله إلى موسى : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ وهم يومئذ فيما ذكر ستمائة ألف مقاتل فجعلهم فاسقين بما عصوا ،